العدد 2983 ليوم 05 حزيران 2014
 
 
صحيفة يومية مستقلة شاملة - تأسست في 14 أيار 1993
الشعائر الحسينية.. النشأة.. والتطور
لم تكن نشأة الشعائر الحسينية بالشكل المتعارف عليه حالياً، بل كانت مجرد شعائر رمزية عمل الزمن والأحداث على تطويرها بالشكل الذي نراه الآن..
تعود أقدم المؤشرات التاريخية على نشوء تلك الشعائر إلى ما كان يقوم به المناصرون لأهل البيت بالذهاب إلى كربلاء والتجمع حول قبر الحسين (ع) وخاصة يوم العاشر من محرم من كل عام لإظهار الندم وطلب المغفرة لتقاعسهم عن نصرته في واقعة كربلاء.. (وبحسب مصادر تاريخية موثقة، فإن المختار بن يوسف الثقفي الذي قاد حركة التوابين، ورفع شعار (يا لثارات الحسين) كان أول من أقام احتفالاً تأبينياً في داره في الكوفة بمناسبة يوم عاشوراء، وأنه أرسل بعض النادبات إلى شوارع الكوفة للندب على الحسين (وكان ما قام به التوابون أول حركة مقاومة ضد الحكم الأموي مدفوعين بشعارهم يا لثارات الحسين) .
أما الدينوري فقد أشار إلى مثل هذه الاحتفالات التي أقيمت يوم عاشوراء، والتي جاءت على شكل ندب ونياحة على مقتل الإمام علي (ع) وعلى أبنائه من بعده، التي قام بها الشيعة الأوائل عند تجمعهم حول قبور الأئمة من أبناء علي (ع) ..
ولا يجب أن ننسى تجمعات الشيعة الأوائل في بيوت الأئمة(ع) في مجالس صغيرة يعقدونها كل عام لرثاء الحسين والبكاء عليه..
(غير أن تلك الاحتفالات والتجمعات لم تكن عادات راسخة ذات شعائر وطقوس دينية ثابتة، وإنما كانت مجرد تجمع عدد من الأتقياء من الشيعة الأوائل لقراءة الفاتحة والترحم على الحسين (ع) وحيث ينشد أحد الشعراء قصيدة في رثائه وتقديم العزاء والسلوى لأهل البيت)
ذكر ياقوت الحموي وابن خلكان في وفياته، بأن الشاعر المعروف (الناشئ الأصغر) كان يعقد (مجالس النياحة) على الحسين بعد أن انتشر التشيع وخفت وطأة السلطات الحاكمة على العلويين ..
وقد روي أن الناشئ الأصغر قال: (كنت مع والدتي في سنة 246هـ وأنا صبي في مجلس الكبوذي في المسجد بين الوراقين والصاغة (ببغداد) وهو غاص بالناس، وإذا برجل قد وافى وعليه مرقعة وفي يده سطحية وركوة ومعه عكاز وهو شعث فسلم.. ثم قال: أتعرّفون لي أحمد النائح؟ قالوا: ها هو جالس.. فقال: رأيت مولاتنا (فاطمة الزهراء(ع)) في النوم فقالت امضي إلى بغداد واطلبه وقل له نح على ابني شعر الناشئ الذي يقول فيه:
بني أحمد قلبي لكم يتقطع بمثل مصابي فيكم ليس يسمع
وكان الناشئ حاضراً فلطم لطماً عظيماً على وجهه وتبعه المزوق والناس كلهم.. وكان أشد الناس في ذلك الناشئ ثم المزوق.. ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلى الناس الظهر وتقوض المجلس.. وقد تطورت النياحة إلى قراءة (مقتل الحسين) لابن نما ثم لابن طاووس، وهي أولى كتب المقاتل التي تتحدث عن واقعة كربلاء..
وخلال القرن السابع للهجرة أصبحت قراءة المقتل عادة متبعة يوم عاشوراء.
وكان المستنصر بالله العباسي قد أمر المحتسب جمال الدين بن الجوزي عام 640هـ - 1223م (بمنع الناس من قراءة المقتل في يوم عاشوراء والإنشاد في سائر المحال بجانبي بغداد سوى مشهد موسى بن جعفر
وقد ذكر ابن الجوزي، بأن اللطم جرى يوم عاشوراء في المشهد وذلك بحدود منتصف القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر الميلادي(29) وهي أول إشارة في ذكر اللطم يوم عاشوراء في العراق
تاريخياً ارتبط العزاء الحسيني بالاضطهاد الذي مارسته السلطات الأموية والعباسية ضد الشيعة في العراق، وكانت سياسة الحكومات المتعاقبة متبدلة ومتغيرة، بحسب الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وبحسب المصالح والميول الدينية والسياسية، غير أن ميزان القوى كان قد تغير لصالح الشيعة خلال فترة معز الدولة البويهي(936م - 967م) الذي ناصر الشيعة أو تشيع لهم كما ذكر بعض المؤرخين. وكان معز الدولة أول من جعل مراسيم العزاء الحسيني عادة تتبع سنوياً في بغداد..
في العاشر من محرم (353هـ - 963م) جرت ولأول مرة احتفالات فريدة في بغداد في ذكرى استشهاد الإمام الحسين حيث أغلقت الأسواق وسارت النادبات في شوارع بغداد وقد سودن وجوههن وحللن شعورهن ومزقن ثيابهن وهن يلطمن وجوههن ويرددن مرثية حزينة. وقد أشار بعض المؤرخين إلى أن الشيعة كانوا يلبسون السواد، وقد زاروا قبر الحسين في كربلاء .. وفي كربلاء خرجت النساء ليلاً وخرج الرجال نهاراً حاسري الرؤوس حفاة الأقدام لمواساة الحسين
وبحسب ابن الجوزي ، كان معز الدولة البويهي قد أمر بغلق الأسواق، حيث عطل القصابون أعمالهم، وتوقف الطباخون عن الطبخ، وفرغت الأحواض والصهاريج مما فيها من الماء، ووضعت الجرار مغلقة باللباد في الشوارع والطرق لسقي عابر السبيل والعطشان ، وكانت النسوة يمشين بشعور منثورة وأوجه مسودة وملابس ممزقة، يلطمن ويولولن حزناً على الحسين الشهيد
من خلال تلك الأحداث التي رواها المؤرخون يمكن أن نعد فترة الحكم البويهي في العراق، من أهم الفترات في تاريخ نشوء وتطور الشعائر الحسينية.
أما (الشكل الشائع لعاشوراء على النحو المعروف لنا في الوقت الحاضر (أي رواية سيرة الحسين في محافل شعبية) فتعود جذوره - على الأرجح - إلى القرن العاشر للهجرة/السادس عشر للميلاد، عندما اعتلى الصفويون سدة الحكم في إيران، واتخذوا من التشيع عقيدة رسمية لدولتهم.. وكان لهم دور في انتقالها إلى الهند وأذربيجان التركية والأناضول وبعض مناطق سيبيريا.. ومع الوقت، تطورت هذه الشعائر بنوعيها المعروفين لنا في الوقت الحاضر، أي رواية سيرة الشهيد (ممسرحة في تجمعات شعبية حافلة) تليها المواكب، وكانت حصيلة الدمج بين هذين النمطين في إيران إبان القرن الثامن عشر، ولادة ما يعرف في هذا البلد بمسرح التعزية
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2014 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com